فصل: فصل في الوقف والابتداء في آيات السورة الكريمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب مواقف يوم القيامة:

ثم يقال لهم عند ما يريدون إبداء أعذارهم {هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ 35} بحجة أو برهان يدافعون بهما عن أنفسهم وهذا موقف من مواقف يوم القيامة إذ يختم على أفواههم.
وفيها موقف آخر يتكلمون فيه وفيها موقف يتخاصمون فيه فيما بينهم وفيها موقف يتخاصمون فيه مع الملائكة وفيها موقف يخاطبون به ربهم وفيها موقف يتعاتبون فيه بينهم وفيها وفيها وكل ذلك لا ينفعهم حيث تتكلم جوارحهم بما فعلوا فلا يخلصهم من عذاب الله شيء وسيأتي بيان هذه المواقف في الآية 167 من سورة البقرة والآية 12 من سورة السجدة والآية 11 من سورة ابراهيم والآية 60 من سورة ص الآتية وغيرها، ولهذا يقول الله: {وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ 36} حيث تقدم الله لهم بالاعتذار على لسان رسله في الدنيا وأنذرهم سوء العاقبة إذا أصروا على كفرهم فلم يقبل منهم عذر يعتذرون به في الآخرة فتكم أفواههم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 37} بذلك اليوم الذي لا قدرة لهم على دفع العذاب فيه ولا يقبل منهم عذر إذ تقول لهم ملائكة العذاب {هذا} اليوم الذي أنتم فيه {يَوْمُ الْفَصْلِ} بين المحق والمبطل لا يوم الاعتذار الذي سبق أو انه لأن من أنذر فقد أعذر لذلك {جَمَعْناكُمْ} فيه بأمر ربنا أنتم يا مكذبين محمد {وَالْأَوَّلِينَ 38} الذين كذبوا الرسل قبلكم {فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ} من حيلة أو مكر في رفع ما نزل بكم من العذاب {فَكِيدُونِ 39} أيها الكفرة بما تقدرون عليه من أصناف الخداع ولستم بقادرين على شيء وهؤلاء الذين كنتم تعبدونهم وتقلدونهم في الدنيا موجودون معكم استصرخوهم إن كانوا ينقذونكم فإنهم أعجز منكم اليوم وأذل وسترونهم معكم في جهنم يعذبون بأشد مما تتعذبون لأن لهم ضعفين من العذاب لإضلالكم وإضلال أنفسهم وأنهم سيتبرءون عن عبادتكم لهم وينكرونكم أيضا، وهذا نهاية في التوبيخ وغاية في التقريع لأن ذلك اليوم تنقطع فيه الحيل والأعذار ولهذا عقب هاتين الآيتين بقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 40} بعدل الله فيه، ولما انتهى جل جلاله من بيان مآل حال الكفرة في هذه السورة.
شرع يبين ما للمؤمنين عنده فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} الإنكار والجحود والتكذيب بما تقدم يكونون يوم القيامة {فِي ظِلالٍ} عند ربهم يظلهم بها يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، وهذا بمقابلة قوله للكافرين {ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ} وضد الظّل الضحّ وهو أعم من الفيء لأنه يقال لظل الليل وظل الجنة وكل موضع لم تصل إليه ظل ولا يقال الفيء إلا لما زاحت عنه الشمس ويعبر بالظل عن الرفاهية والمعزة والمناعة {وَعُيُونٍ 41} من ماء جارية في جنة عالية بدلالة قوله: {وَفَواكِهَ} في تلك الجنة ذات الظلال الوافرة {مِمَّا يَشْتَهُونَ 42} من أنواعها وأصنافها يتلذذون بثمارها وتقول لهم الملائكة {كُلُوا وَاشْرَبُوا} من هذه النعم المتنوعة {هَنِيئاً} لكم ومريئا {بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 43} في الدنيا من العبادات والخيرات، ونظير هذه الجملة في الآية 45 من سورة الأعراف الآتية والآية 32 من سورة النحل {إِنَّا كَذلِكَ} بمثل هذا الجزاء {نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 44} لأنفسهم وغيرهم في هذا اليوم جزاء إحسانهم في الدنيا {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 45} بما وعدنا المؤمنين، وهلاك وخسران وحسرة لحرمانهم من هذا النعيم الدائم وتعذيهم بما أوعدناهم به ويقال لهم أيضا {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا} أيها الكفار من هذه الدنيا الفانية {قَلِيلًا} لأنها مهما طال أمرها فهي قليلة بالنسبة للآخرة {إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ 46} والمجرم يستحق العذاب والعقاب وقول كلوا وإن كان ظاهره أمرا فهو في المعنى نهي بليغ على حد قوله تعالى: {اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ} الآية 67 من سورة فصلّت، ففيه زجر عظيم لانهماكهم في الدنيا وانكبابهم على شهواتهم وإعراضهم عن الآخرة ونبذها وراءهم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 47} بهذه النعم الدائمة التي غرتهم الدنيا الفانية بزخارفها البالية فأبعدتهم عنها {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا} للّه واخضعوا لعظمته وتواضعوا لجلاله {لا يَرْكَعُونَ 48} أنفة واستكبارا.

.مطلب الآية المدنية في هذه السورة:

هذا على القول بأن هذه الآية مكية، وعلى القول بأنها مدنية فيكون المراد الركوع في الصلاة الذي هو جزء منها، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود أن هذه السورة نزلت في غار بمنى وأن هذه الآية نزلت معها دفعة واحدة فإذا صح هذا فتكون مكية ويؤول الركوع فيها على الخشوع لغة، وإذا أريد وقوعه في الركعتين التي فرضت عليه قبل فرض الصلاة في الغداة والعشي فيؤول على معناه الشرعي ومن قال انها مدنية احتج بلفظ الركوع لأن نزولها قبل فرض الصلاة {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 49} بأنبيائهم الجاحدين المنكرين آيات الله الباهرة وهؤلاء إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب المنزل من لدنا على نبيهم الجامع لما في الدنيا والآخرة من خير وشر وقد كررت جملة {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} عشر مرات كل لمعنى كما علمت {فَبِأَيِّ حديث بَعْدَهُ} بعد هذا القرآن المشتمل على سير كتب الأولين كلهم {يُؤْمِنُونَ 50} أي لا يؤمنون البتة.
آمنا بالله وحده واتبعنا ما جاءنا به عبده وهذا والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه والتابعين أجمعين. اهـ.

.فصل في الوقف والابتداء في آيات السورة الكريمة:

.قال زكريا الأنصاري:

سورة المرسلات:
مكية.
{لواقع} تام وهو آخر جواب الأقسام.
{ليوم الفصل} تام وكذا {ما يوم الفصل} و{للمكذبين} هنا وفيما يأتي منه في هذه السورة.
{الأولين} كاف.
{الآخرين} صالح وقال أبو عمرو كاف وهو أحسن.
{بالمجرمين} حسن وقال أبو عمرو تام.
{فقدرنا} كاف.
{القادرون} حسن وكذا {فراتا} و{به تكذبون}.
{من اللهب} كاف.
{صفر} تام.
{فيعتذرون} حسن وكذا {فكيدون}.
{يشتهون} كاف وكذا {تعملون}.
{المحسنين} حسن، وكذا {مجرمون} و{لا يركعون}.
آخر السورة تام. اهـ.

.قال أحمد عبد الكريم الأشموني:

سورة {والمرسلات}:
مكية.
خمسون آية باتفاق.
كلمها مائة وإحدى وثمانون كلمة.
وحروفها ثمانمائة وستة وعشرون حرفاً.
ولا وقف من أوَّلها إلى قوله: {لواقع} لاتصال الجواب بالقسم فلا يوقف على {عرفاً} ولا على {عصفاً} ولا على {نشراً} ولا على {فرقاً} ولا {نذراً}.
{لواقع} تام.
ولا وقف من قوله: {فإذا النجوم طمست} إلى {أجلت} إن جعل مع قوله: {ليوم الفصل} فعل محذوف تقديره أجلت ليوم الفصل فتكون اللام الأولى التي في قوله: {لأيّ يوم} صلة للفعل الظاهر والثانية صلة للفعل المضمر وإن جعلت اللام الثانية في {ليوم الفصل} تأكيداً للام الأولى في {لأيّ يوم} لم يحسن الوقف على {أجلت} وهذا على كون جواب إذا محذوفاً تقديره فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون وإن جعل جوابها {ويل يومئذ} لم يحسن الوقف إلى قوله: {للمكذبين} قاله مكي وغلط لأنَّه لو كان الجواب لزمته الفاء لكونه جملة اسمية.
{ليوم الفصل} تام. ومثله {ما يوم الفصل} وكذا {للمكذبين} ومثله فيما يأتي في هذه السورة بعد كل جملة وعيد للمكذبين بالويل في الآخرة كرّر في عشرة مواضع وليس تكرارها تأكيداً بل أتبع كل قصة {ويل يومئذ للمكذبين} كأنَّه ذكر في كل موضع شيئاً ثم قال ويل لهذا المذكور قبله وكرّر ليكون نصاً فيما يليه وظاهراً في غيره وليس التكرار إطناباً لما قبله.
{نهلك الأولين} كاف على قراءة من قرأ {ثم نتبعهم} بالرفع على الاستئناف وليس بوقف لمن قرأه بسكون العين عطفاً على {نهلك} ومن قدر حذف الضمة تخفيفاً كما في {يأمركم} جاز له الوقف على {الأولين}.
{الآخرين} كاف.
{المجرمين} تام.
ولا وقف من قوله: {ألم نخلقكم} إلى قوله: {فقدرنا} قلا يوقف على {مهين} ولا على {مكين} ولا على {معلوم}.
{فقدرنا} كاف.
{القادرون} تام.
ولا يوقف على {كفاتاً} لأنَّ {أحياء وأمواتاً} منصوبان بـ: {كفاتا}.
{وأمواتا} حسن.
{فراتا} تام.
{تكذبون} حسن على استئناف ما بعده وليس بوقف إن جعل ما بعده متصلاً بما قبله.
{من اللهب} كاف.
{كالقصر} ليس بوقف لتعلق التشبيه بما قبله.
{صفر} كاف.
{فيعتذرون} كاف. وهو عطف على {ولا يؤذن لهم} أي لا يؤذن ولا يعتذرون. وليس بوقف إن جعل جواباً للنفي إذ لو كان جواباً له لقال فيعتذرون.
{فكيدون} كاف.
{وعيون} ليس بوقف لعطف ما بعده على ما قبله.
{مما يشتهون} كاف. لأنَّ بعده إضمار القول أي يقال لهم كلوا واشربوا ومثله {تعلمون}.
{المحسنين} تام.
{قليلاً} قيل جائز.
{مجرمون} كاف. ومثله {لا يركعون}.
آخر السورة تام. اهـ.

.فصل في ذكر قراءات السورة كاملة:

.قال ابن جني:

سورة المرسلات:
قرأ ابن عباس: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا}، مشددة.
قال أبو الفتح: معنى الملقيات، بتشديد القاف: الموصلات له إلى المخاطبين به، كقولك: لقيته الرمح، ولقيته سوء عمله.
وأما (الملقيات)، بتخفيف القاف فكأنه الحاملات له، والطارحات له، ليأخذه من خوطب به. وهذا كقول الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}، كقوله: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر: {وُقِتَتْ}، بواو، خفيفة القاف.
وقراءة الحسن: {ووقِتَتْ} بواوين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة.
قال أبو الفتح: أما {وُقِتَتْ} خفيفة، ففعلت، من الوقت كقوله تعالى: {كِتَابًا مَوْقُوتًا}، فهذا من وقت.
وأما {ووقتت} فكقولك: عوهدت عليه، وووفقت عليه، وكلاهما من الوقت. ويجوز أن تهمز هاتان الواوان، فيقال: أقتت، كما قرءوا: {أقتت}، بالتشديد، وأوقتت، فتكون بلفظ أفعلت، وبمعنى فوعلت.
ومن ذلك قراءة الأعرج: {ثُمَّ نُتْبِعُهُم}، بالجزم.
قال أبو الفتح: يحتمل جزمه أمرين:
أحدهما أن يكون أراد معنى قراءة الجماعة: {نُتْبِعُهُم}، بالرفع، فأسكن العين استثقالا لتوالي الحركات على ما مضى في غي موضع من هذا الكتا2.
والآخر أن يكون جزءا، فيعطفه على قوله: {نُهْلِك}، فيجري مجرى قولك: ألم تزرني ثم أعطك؟ كقولك3: فأعطك ألم أحسن إليك ثم أوال ذلك عليك؟ فيكون معنى هذه القراءة أنه يريد قوما أهلكهم الله سبحانه بعد قوم قبلهم على أختلاف أوقات المرسلين إليهم شيئا بعد شيء فلما ذكر ما تقضي على اختلاف الأوقات فيه قال تعالى مستأنفا: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِين}، فيكون المجرمون هنا من نهلكه من بعد. وقد يجوز أن يعني بالمجرمين من مضى منهم ومن يأتي فيما بعد، المعنيان جميعا متوجهان.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير- واختلف عنهما-: {كَالْقَصْر}، بكسر القاف، وفتح الصاد.
قال أبو الفتح: رواها أبو حاتم: {كالقصر}- القاف والصاد مفتوحان- عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وروى أيضا عن سعيد بن جبير: {كالقصر}، بكسر القاف، وفتح الصاد، وقال: القصر: أصول الشجر، الواحدة قصرة. وكذا رواها لنا أبو علي أيضا، قال: ومنه قولهم: غلة نقية من القصر، قال: وقول الكتاب: نقية من القصر لا وجه له.
قال أبو حاتم: قال الحسن: أصول الشجر، قال: وقال قتادة والكلبي: أصول الشجر والنخل. وقال مجاهد: حزم الشجر، قال: وكذلك قرأها مجاهد.
قال أبو حاتم: لعل القصر- بكسر القاف- لغة، كحاجة وحوج. قد قالوا أيضا في حلقة الحديد: حلقة- بفتح اللام- وقالوا: حلق؛ بكسر الحاء. أبو حاتم: قال الحسن: قصرة وقصر، مثل جمرة وجمر، كأنه قرأها ساكنة الصاد. قال: والعامة يجعلونها على القصور.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير- بخلاف- والحسن- بخلاف- وأبي رجاء- بخلاف- وقتادة- بخلاف-: {جِمَالاتٌ صُفْرٌ}، بضم الجيم.
قال أبو الفتح: أبو حاتم عن ابن عباس: إنها حبال السفينة. اهـ.